محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

322

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

وهو من اجتنب الكبائرَ والكذبَ والمُسَتَخفَّاتِ من المعاصي والمباحات ، ومَثلَ للمستخفاتِ بالتطفيف بحبة ، وللمباحات بالأكل على الطريق . ومما يُقَوِّيَ هذا ما ورَدَ في الحديث ، وأجمعتِ عليه الأُمَّةُ من أنه لا تقبل ( 1 ) مَنْ بيْنَه وبينَ أخيه إحْنَةٌ ( 2 ) مع أنه مقبولٌ على مَنْ ليس بينَهُ وبينَه إحنة . فلم يُجْرَحِ المُسْلِمُ الثقةُ بالإحْنَة التي بينَه وبين أخيه ما لم يُسْرِفْ في العداوة إلى حدٍّ لا يتجاوزُ إليه أهلُ الدِّين ، وأمَّا مجرد الإحنة ، فوقوعها كثيرٌ بين أهل الخير قال الله تعالى : في صفة أهل الجنة { وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورهِمْ مِنْ غِلٍّ } [ الأعراف : 43 ] وقد حكى الله تعالى وقوعَ بعضِ المعاصي مِن أنبيائه الكرام - عليهم أفضل الصلاة رالسلام - وقد جوَّز المنصور - عليه السلام - شهادة الفسقة المصرِّحين عند الضرورة ، ونظراً إلى مصلحة العامة ، فكيف بقبولِ مَنْ هو مِن القائمين بأركان الإسلام ، والمجتنبين للكبائر ، ولمعاصي الخِسّة ، ولِمَا لَمْ تَشتدَّ المِحْنَةُ بملابسته من المعاصي ؟ ! وإنك متى تركت شهادةَ هؤلاء ورِوايَتَهُم ، واعتبرتَ قولَ المنصور بالله - عليه السلام - في العدالة : إنها الخروج مِن كل شبهة ، ومحاسبةُ النفس في كل طرفةٍ ونحو هذا من التشديدات ، تعطَّلت المصالحُ والأحكام ، وتضرَّر جميعُ أهلِ الإسلام ، ولم يَكَدِ الإنسانُ يجد مَنْ يشْهَدُ

--> ( 1 ) أي : الشهادة . ( 2 ) الإحنة : الحقد والضغينة ، وقد أخرج الإمام أحمد 2 / 204 و 208 و 225 ، وأبو داود ( 3600 ) و ( 3601 ) وعبد الرزاق في " المصنف " ( 15364 ) والدارقطني 4 / 243 ، والبيهقي 10 / 200 والبغوي في شرح السنة ( 2511 ) من طريق سليمان بن موسى ، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رد شهادة الخائن والخائنة وذي الغِمْرِ على أخيه ، ورد شهادة القانع لأهل البيت ، وأجازها لغيرهم " وهذا سند حسن ، وقواه الحافظ في " التلخيص " 4 / 198 . وذو الغمر : الذي بينه وبين المشهود عليه عداوة ظاهرة ، والغمر : الضغن . والقانع : الخادم والتابع .